فصل: الإيمان بما بعد الموت

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ***


الإيمان بأمارات الساعة

‏(‏ولكننا نؤمن‏)‏ ونصدق ‏(‏من غير امترا‏)‏ من غير شك بكل ما قد صح سنده وصرح لفظه ‏(‏عن خير الورى‏)‏ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى‏.‏ ‏(‏من ذكريات‏)‏ أمارات ‏(‏تكون‏)‏ تقع ‏(‏قبلها‏)‏ قبل الساعة ‏(‏وهي‏)‏ أي تلك الأمارات علامات لمجيء الساعة وقربها ودنوها ‏(‏وأشراط لها‏)‏ أي لاقترابها‏.‏

وقد أشار القرآن إلى قربها ودنوها وكثير من علاماتها، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏أتى أمر الله فلا تستعجلوه‏)‏ ‏(‏النحل‏:‏ 1‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏)‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 1‏)‏ الآيات‏.‏

وقد ذكر الله تعالى أن بعثة نبيا صلى الله عليه وسلم من أشراطها كما قال عز وجل‏:‏ ‏(‏هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة‏)‏ ‏(‏النجم‏:‏ 56- 57‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم‏)‏ ‏(‏محمد‏:‏ 8‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏)‏ ‏(‏القمر‏:‏ 1‏)‏ الآيات‏.‏

وانشقاق القمر من معجزات نبينا بمكة من قبل أن يهاجر إلى المدينة، وذكر تعالى من كبار أشراطها الدخان ونزول عيسى لقتل الدجال وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وغيرها، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏)‏ ‏(‏الدخان‏:‏ 10‏)‏ الآيات‏.‏

وقال تعالى في شأن عيسى‏:‏ ‏(‏بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 158- 159‏)‏ وقال تعالى في شأن يأجوج ومأجوج‏:‏ ‏(‏ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمه من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جميعا‏)‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 92- 99‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق‏)‏ ‏(‏الأنبياء‏:‏ 96‏)‏ الآيات‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون‏)‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 158‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون‏)‏ ‏(‏النمل‏:‏ 82‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم‏)‏ ‏(‏يس‏:‏ 38‏)‏‏.‏

وأما الأحاديث في أشراط الساعة فكثيرة متواترة، وقد تقرر في حديث جبريل على اختلاف ألفاظه وتباين طرقه ذكره صلى الله عليه وسلم من أماراتها أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان‏.‏ وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ بعثت أنا والساعة كهاتين ‏"‏ وأشار بالسبابة والوسطى‏.‏ وفي صحيح مسلم وغيره عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه ‏"‏‏.‏

وفيه عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا ‏"‏‏.‏

وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو ‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا ‏"‏‏.‏ وفي رواية عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق- أو بدابق- فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم‏:‏ خلوا بيننا وبين الذين سيبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون‏:‏ لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان‏:‏ إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيأمهم فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته ‏"‏‏.‏ والأعماق قال في القاموس‏:‏ بلد بين حلب وأنطاكية مصب مياه كثيرة لا تجف إلا صيفا وهو العمق جمع بأجزائه ا‏.‏ هـ‏.‏ وقال أيضا‏:‏ دابق كصاحب وهاجر قرية بحلب، وفي الأصل اسم نهر، ودويبق قرية بقربها‏.‏

وفيه عن يسير ابن جابر قال‏:‏ هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري إلا ‏"‏ يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة ‏"‏ قال فقعد وكان متكئا فقال‏:‏ إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام فقال‏:‏ عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام‏.‏ قلت‏:‏ الروم تعني‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء وكل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيفيء هؤلاء وهؤلاد كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة، إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ- أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ ‏"‏‏.‏

وفيه عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏ طلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون‏؟‏ قالوا‏:‏ نذكر الساعة‏.‏ قال‏:‏ إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات‏.‏ فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف‏:‏ خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب‏.‏ وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس ‏"‏‏.‏ زاد في أخرى‏:‏ ‏"‏ تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم حيث قالوا ‏"‏‏.‏

وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ بادروا بالأعمال ستا‏:‏ طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة ‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم ‏"‏‏.‏

وقال البخاري رحمه الله تعالى ‏"‏ باب لا ينفع نفسا ايمانها ‏"‏‏.‏ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ‏"‏‏.‏

وقال أيضا رحمه الله تعالى في كتاب الفتن‏:‏ حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج- وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا‏.‏

ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ‏"‏‏.‏

وفي الصحيحين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس‏:‏ ‏"‏ أتدري أين تذهب‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم‏)‏ ‏(‏يس‏:‏ 38‏)‏‏.‏

وفي صحيح مسلم عن أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا ‏"‏‏.‏

وفيه عن فاطمة بنت قيس- وكانت من المهاجرات الأول رضي الله عنها- قالت‏:‏ سمعت نداء المنادي منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي‏:‏ الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال‏:‏ ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال‏:‏ أتدرون لم جمعتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الدارى كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا‏:‏ ويلك ما أنت‏؟‏ فقالت‏:‏ أنا الجساسة‏.‏ قالوا‏:‏ وما الجساسة‏؟‏ قالت‏:‏ أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق‏.‏ قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد‏.‏ قلنا‏:‏ ويلك ما أنت‏؟‏ قال‏:‏ قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم‏؟‏ قالوا نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهرا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا ويلك ما أنت‏؟‏ فقالت أنا الجساسة‏.‏ قلنا وما الجساسة‏؟‏ قالت اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانية‏.‏ فقال‏:‏ أخبروني عن نخل بيسان‏.‏ قلنا‏:‏ عن أي شأنها تستخبر‏؟‏ قال‏:‏ أسألكم عن نخلها هل يثمر‏؟‏ قلنا له‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أما إنه يوشك أن لا يثمر‏.‏ قال أخبروني عن بحيرة طبرية‏؟‏ قالوا عن أي شأنها تستخبر‏؟‏ قال‏:‏ هل فيها ماء‏؟‏ قالوا هي كثيرة الماء‏.‏ قال أما إن ماءها يوشك أن يذهب‏.‏ قال‏:‏ أخبروني عن عين زغر‏؟‏ قالوا عن أي شأنها تستخبر‏؟‏ قال‏:‏ هل فيها ماء‏؟‏ وهل يزرع أهلها بماء العين‏؟‏ قلنا له نعم، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها‏.‏ قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعل‏؟‏ قالوا‏:‏ قد خرج من مكة ونزل يثرب‏.‏ قال‏:‏ أقاتله العرب‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ كيف صنع بهم‏؟‏ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه‏.‏ قال لهم‏:‏ قد كان ذلك‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحد منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها‏.‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة؛ يعني المدينة ألا هل كنت حدثتكم ذلك‏؟‏ فقال الناس‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، إلا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق ‏"‏‏.‏ قالت‏:‏ فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال النووي رحمه الله تعالى‏:‏ الأهلب الغليظ الشعر كثيره، وسميت الجساسة لتجسسها الأخبار للدجال‏.‏ وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن، والله أعلم‏.‏

وفيه عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ ‏"‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها- قالت فقلت‏:‏ يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا كثر الخبث ‏"‏‏.‏

وفيه عن النواس بن سمعان قال‏:‏ ‏"‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال‏:‏ ما شأنكم‏؟‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل‏.‏ فقال‏:‏ غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا‏.‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، وما لبثه في الأرض‏؟‏ قال‏:‏ أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم‏.‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم‏؟‏ قال‏:‏ لا، اقدروا له قدره‏.‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض‏؟‏ قال‏:‏ كالغيث، استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت درا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك‏.‏ فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كجمان اللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحزر عبادي إلى الطور‏.‏

ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول‏:‏ لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة‏.‏ ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل الله تعالى طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض انبتي ثمرك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخدهم تحت إباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة ‏"‏‏.‏ زاد في رواية بعد قوله‏:‏ ‏"‏ لقد كان بهذه مرة ماء ‏"‏‏:‏ ثم يسيرون حتى ينتهي إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء‏.‏ فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ‏"‏‏.‏

وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال‏:‏ ‏"‏ إن الله تعالى ليس بأعور ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ‏"‏‏.‏

وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر ‏"‏‏.‏ وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر- ثم تهجاها ك ف ر- يقرأه كل مسلم ‏"‏‏.‏

وفيه عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض والأخرى رأي العين نار تأجج، فإما أدركهما أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد‏.‏ وإن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه ‏"‏ كافر ‏"‏ يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ‏"‏‏.‏ وقال النووي‏:‏ ظفرة بفتح الظاء المعجمة والفاء وهي جلدة تغشى البصر‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ لحنة تنبت عند المآقي‏.‏

وفيه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال، فكان فيما حدثنا قال‏:‏ يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس- أو من خير الناس- فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فيقول الدجال‏:‏ أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر‏؟‏ فيقولون‏:‏ لا‏.‏ قال فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه‏:‏ والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن‏.‏ قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه ‏"‏‏.‏

وفي رواية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسائح مسائح الدجال فيقولون له‏:‏ أين تعمد‏؟‏ فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج‏.‏ قال فيقولون له‏:‏ أوما تؤمن بربنا‏؟‏ فيقول‏:‏ ما بربنا خفاء‏.‏ فيقولون‏:‏ اقتلوه‏.‏ فيقول بعضهم لبعض‏:‏ أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدا دونه‏؟‏ قال فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال‏:‏ يا أيها الناس، هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال فيأمر الدجال به فيشج فيقول‏:‏ خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربا‏.‏ قال فيقول‏:‏ أوما تؤمن بي قال فيقول‏:‏ أنت المسيح الكذاب‏.‏ قال‏:‏ فيؤمر به فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه‏.‏ قال ثم يمشي بين القطعتين ثم يقول‏:‏ قم‏.‏ فيستوي قائما‏.‏ قال ثم يقول له أتؤمن بي‏؟‏ فيقول‏:‏ ما ازددت فيك إلا بصيرة‏.‏ قال ثم يقول‏:‏ يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس‏.‏ قال فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا‏.‏ قال فيؤخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين ‏"‏‏.‏

وفيه عن النعمان بن سالم قال‏:‏ سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن عمرو وجاءه رجل فقال‏:‏ ما هذا الحديث الذي تحدث به تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا‏؟‏ فقال‏:‏ سبحان الله- أو لا إله إلا الله، أو كلمة نحوها- لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما، يحرق البيت ويكون ويكون‏.‏ ثم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين وليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير- أو إيمان- إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه ‏"‏‏.‏ قال سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول‏:‏ ألا تستجيبون‏؟‏ فيقولون‏:‏ فما تأمرنا‏؟‏ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا‏.‏ قال‏:‏ وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله- أو قال ينزل الله عز وجل مطرا كأنه الطل أو الظل ‏(‏نعمان الشاك‏)‏ فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال‏:‏ يا أيها الناس هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون‏.‏ قال‏:‏ ثم يقال أخرجوا بعث النار، فيقال من كم‏؟‏ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق ‏"‏‏.‏

وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ليس من بلد إلا سيطأه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه وقال فيخرج إليه كل منافق ومنافقة ‏"‏‏.‏ قال النووي‏:‏ فيضرب رواقه؛ أي ينزل هناك ويضع ثقله‏.‏ والجرف قال في القاموس‏:‏ موضع بقرب المدينة وموضع قرب مكة وموضع باليمن وموضع باليمامة، والمقصود في الحديث هو الأول‏.‏ وفيه عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة ‏"‏‏.‏

وفيه عن أم شريك أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ ليفرن الناس من الدجال في الجبال‏.‏ قالت أم شريك‏:‏ يا رسول الله، فأين العرب يومئذ‏؟‏ قال‏:‏ هم قليل ‏"‏‏.‏

وفيه عن عمران بن حصين قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال ‏"‏‏.‏

والأحاديث في ذكر الدجال وصفته والإنذار منه والتحذير عنه أكثر من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى، وكذا الأحاديث في الفتن والملاحم بين يدي القيامة وغيرها من أشراط الساعة‏.‏ وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال في كل صلاة فريضة أو نافلة‏.‏

وفي الترمذي عن محرز بن هارون عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ بادروا بالأعمال سبعا‏:‏ هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو هرما مفندا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ‏"‏ ثم قال‏:‏ هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث محرز بن هارون‏.‏ وروى معمر هذا الحديث عمن سمع سعيدا المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا‏.‏

الإيمان بالموت

ويدخل الإيمان بالموت وما *** من بعده على العباد حتما

‏(‏ويدخل‏)‏ في الإيمان باليوم الآخر ‏(‏الإيمان بالموت‏)‏ الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم‏:‏ ‏"‏ إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم ‏"‏‏.‏

والإيمان بالموت يتناول أمورا‏:‏

منها تحتمه على من كان في الدنيا من أهل السماوات والأرض من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من المخلوقات، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون‏)‏ ‏(‏القصص‏:‏ 88‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏)‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 27‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏)‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 185‏)‏ وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون‏)‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 30‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقه الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون‏)‏ ‏(‏الأنبياء‏:‏ 34- 35‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون‏)‏ ‏(‏العنكبوت‏:‏ 57‏)‏ قال تعالى‏:‏ ‏(‏قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون‏)‏ ‏(‏السجدة‏:‏ 11‏)‏‏.‏

وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"‏ أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ‏"‏‏.‏

ومنها إن كلا له أجل محدود وأمد ممدود ينتهي إليه لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وقد علم الله تعالى جميع ذلك بعلمه الذي هو صفته، وجرى به القلم بأمره يوم خلقه، ثم كتبه الملك على كل أحد في بطن أمه بأمر ربه عز وجل عند تخليق النطفة في عينه في أي مكان يكون وفي أي زمان، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يغير ولا يبدل عما سبق به علم الله تعالى وجرى به قضاؤه وقدره، وأن كل إنسان مات أو قتل أو حرق أو غرق أو بأي حتف هلك بأجله لم يستأخر عنه ولم يستقدم طرفة عين، وأن ذلك السبب الذي كان فيه حتفه هو الذي قدره الله تعالى عليه وقضاه عليه وأمضاه فيه ولم يكن له بد منه ولا محيص عنه ولا مفر له ولا مهرب ولا فكاك ولا خلاص، وأنى وكيف وإلى أين ولات حين مناص، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن لم يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها‏)‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 145‏)‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏)‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 145‏)‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 78‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين‏)‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 61‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون‏)‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 34‏)‏ في مواضع من القرآن‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كل يجري إلى أجل مسمى‏)‏ ‏(‏الرعد‏:‏ 2‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى‏)‏ ‏(‏طه‏:‏ 129‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكل شيء عنده بمقدار‏)‏ ‏(‏الرعد‏:‏ 8‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون‏)‏ ‏(‏الجمعة‏:‏ 8‏)‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون‏)‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 42‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبؤكم بما كنتم تعملون‏)‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 60‏)‏ وغيرها من الآيات‏.‏

وروى مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه عن المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قالت أم حبيبة رضي الله عنها‏:‏ ‏"‏ اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية‏.‏ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك سألت الله تعالى لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها يوما بعد حله، ولو سألت الله تعالى أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرا لك ‏"‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏"‏ قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله، ولو كنت سألت الله تعالى أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل ‏"‏‏.‏ وفي أخرى‏:‏ ‏"‏ وآثار مبلوغة ‏"‏‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 11‏)‏ يقول‏:‏ ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 11‏)‏ يقول كل ذلك في كتاب عنده‏.‏ وهكذا قال الضحاك بن مزاحم‏.‏ وأما حديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ‏"‏، فإنه يفسر بحديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى قال‏:‏ ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة في العمر فقال‏:‏ ‏"‏ إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر ‏"‏‏.‏

ومنها الإيمان بأن ذلك الأجل المحتوم والحد المرسوم لانتهاء كل عمر إليه لا اطلاع لنا عليه ولا علم لنا به، وأن ذلك من مفاتح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها عن جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو‏)‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 59‏)‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت‏)‏ ‏(‏لقمان‏:‏ 34‏)‏ الآية‏.‏ وتقدمت الأحاديث في معناها‏.‏ وفي الحديث المشهور عند أحمد والترمذي وغيرهما عن جماعة من الصحابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له فيها- أو قال بها- حاجة ‏"‏‏.‏

ومنها ذكر العبد الموت وجعله على باله كما هو الردم بينه وبين آماله وهو المفضي به إلى أعماله وإلى الحسن والقبيح من أقواله وأفعاله وإلى الجزاء الأوفى من الحكم العدل في شرعه وقدره وقضائه ووعده ووعيده، فلا يعاقب أحدا بذنب غيره ولا يهضمه ذرة من حسن أعماله‏.‏ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي والنسائي وابن حبان وصححه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أكثروا ذكر هادم اللذات ‏"‏ الموت‏.‏

وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الرقاق من صحيحه‏:‏ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ‏"‏‏.‏ حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي عن سليمان الأعمش قال‏:‏ حدثني مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال‏:‏ ‏"‏ كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ‏"‏ وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول‏:‏ إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ‏"‏ ثم قال‏:‏ باب في الأمل وطوله، وقول الله تعالى‏:‏ ‏(‏فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور‏)‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 185‏)‏ بمزحزحه بمباعده‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون‏)‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 3‏)‏ وقال علي رضي الله عنه‏:‏ ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون‏.‏ فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل‏.‏

حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني أبي عن منذر عن ربيع بن خثيم عن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال‏:‏ ‏"‏ هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا ‏"‏‏.‏ حدثنا مسلم حدثنا همام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال‏:‏ ‏"‏ هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب ‏"‏‏.‏

ومنها- وهو المقصود الأعظم- التأهب له قبل نزوله، والاستعداد لما بعده قبل حصوله، والمبادرة بالعمل الصالح والسعي النافع قبل دهوم البلاء وحلوله، إذ هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار وهو الفصل بين ساعة العمل والجزاء عليه، والحد الفارق بين أوان تقديم الزاد والقدوم عليه، إذ ليس بعده لأحد من مستعتب ولا اعتذار، ولا زيادة في الحسنات ولا نقص من السيئات، ولا حيلة ولا افتداء ولا درهم ولا دينار ولا مقعد ولا منزل إلا القبر وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلى يوم البعث والجزاء وجمع الأولين والآخرين وأهل السماوات والأرضين والموقف الطويل بين يدي القوي المتين يوم يقوم الناس لرب العالمين الحكيم العليم المقسط العدل الحكيم الذى لا يحيف ولا يجور ولا يظلم مثقال ذرة إن ربي على صراط مستقيم، ثم إما نعيم مقيم في جنات النعيم وإما عذاب أليم في نار الجحيم، وإن لكل ظاعن مقرا ولكل نبأ مستقرا وسوف تعلمون‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا جاء أحدكم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون‏)‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 99- 100‏)‏ الآيات‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد‏)‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 18‏)‏ الآيات‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعلمون‏)‏ ‏(‏المنافقون‏:‏ 10- 11‏)‏ ‏(‏وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل‏)‏ ‏(‏الشورى‏:‏ 44‏)‏ وهذا سؤالهم الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألون الرجعة عند معاينة العذاب يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال‏)‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 44‏)‏ الآيات‏.‏

وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على النار ورأوا ما فيها من عظيم الأهوال وشديد الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل الطوال وما لا يصفه عقل ولا يعبر عنه مقال ولا يغني بالخبر عنه ضرب الأمثال كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون‏)‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 27- 28‏)‏ الآيات‏.‏ وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على ربهم وعرضوا عليه وهم ناكسو رؤوسهم بين يديه كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون‏)‏ ‏(‏السجدة‏:‏ 12‏)‏ الآيات‏.‏ وكذلك يسألون الرجعة وهم في غمرات الجحيم وعذابها الأليم كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير‏)‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 37‏)‏ الآيات‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل‏)‏ ‏(‏غافر‏:‏ 11‏)‏ وغيرها من الآيات‏.‏ ويجمع كل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون‏)‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 53‏)‏ وغيرها من الآيات‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من أحد يموت إلا ندم‏.‏ قالوا‏:‏ وما ندامته يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع ‏"‏‏.‏ رواه الترمذي وغيره، وله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا ابن عباس، اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار‏.‏ فقال‏:‏ سأتلوا عليك بذلك قرآنا‏:‏ ‏(‏أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون‏)‏ ‏(‏المنافقون‏:‏ 10- 11‏)‏ قال‏:‏ فما يوجب الزكاة‏؟‏ قال‏:‏ إذا بلغ المال مائتين فصاعدا‏.‏ قال‏:‏ فما يوجب الحج‏؟‏ قال‏:‏ الزاد والبعير‏.‏

وقال قتادة‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا جاء أحدهم الموت‏)‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 99‏)‏ قال‏:‏ كان العلاء بن زياد يقول‏:‏ لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة ربه تعالى‏.‏ وقال قتادة والله‏:‏ ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعلموا بها ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ إذا وضع- يعني الكافر- في قبره فيرى مقعده من النار قال‏:‏ فيقول رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا‏.‏ قال فيقال قد عمرت ما كنت معمرا‏.‏ قال فيضيق عليه قبره ويلتئم فهو كالمنهوش ينام أو يفزع تهوى إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها‏.‏

وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول‏:‏ لو أن الله هداني‏.‏ فتكون عليه حسرة‏.‏ قال‏:‏ وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني قال فيكون لهم الشكر ‏"‏‏.‏ وقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم‏:‏ ‏"‏ بادروا بالأعمال ستا‏:‏ طلوع الشمس من مغربها ‏"‏ الحديث‏.‏ وحديثه عند الترمذي‏:‏ ‏"‏ بادروا بالأعمال سبعا‏:‏ هل تنتظرون إلا ‏"‏ إلى‏:‏ ‏"‏ فقر منس ‏"‏ الحديث‏.‏

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس‏:‏ الصحة والفراغ ‏"‏‏.‏

وللحاكم عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه‏:‏ ‏"‏ اغتنم خمسا قبل خمس‏:‏ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ‏"‏ يعني أن هذه الخمس أيام الشباب والصحة والغنى والفراغ والحياة هي أيام العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد، فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه التمني للأعمال بعد التفريط منه والإهمال، في زمن الفرصة والإمهال، فإن بعد كل شباب هرما، وبعد كل صحة سقما، وبعد كل غنى فقرا، وبعد كل فراغ شغلا، وبعد كل حياة موتا، فمن فرط في العمل أيام الشباب لم يدركه في أيام الهرم، ومن فرط فيه في أوقات الصحة لم يدركه في أوقات السقم، ومن فرط فيه في حالة الغنى فلم ينل القرب التي لم تنل إلا بالغنى لم يدركه في حالة الفقر، ومن فرط فيه في ساعة الفراغ لم يدركه عند مجيء الشواغل، ومن فرط في العمل في زمن الحياة لم يدركه بعد حيلولة الممات، فعند ذلك يتمنى الرجوع وقد فات، ويطلب الكرة وهيهات، وحيل بينه وبين ذلك وعظمت حسراته حين لا مدفع للحسرات‏.‏

ولقد حثنا الله عز وجل أعظم الحث وحضنا أشد الحض ودعانا إلى اغتنام الفرص في زمن المهلة وأخبرنا أن من فرط في ذلك تمناه وقد حيل بينه وبينه إذ يقول تعالى في محكم كتابه داعيا عباده إلى بابه يا من يسمع صريح خطابه ويتأمل لطيف عتابه‏:‏ ‏(‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين‏)‏ ‏(‏الزمر 53- 59‏)‏ الآيات‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله‏)‏ ‏(‏الروم‏:‏ 43‏)‏ الآيات‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير‏)‏ ‏(‏الشورى‏:‏ 47‏)‏ الآيات‏.‏ وغيرها‏.‏

الإيمان بما بعد الموت

ومنها الإيمان ب ‏(‏ما‏)‏ الذي ‏(‏من بعده‏)‏ أي من بعد الموت ‏(‏على العباد حتما‏)‏ من أحوال الاحتضار إلى البعث والنشور إلى أن يقضي الله بين عباده ويستقر كل من الفريقين فريق في الجنة وفريق في السعير‏.‏ ونذكر ما تيسر من التقدير على كل أمر منها في محله من هذه الأبيات الآتيه إن شاء الله تعالى، هذا أولها‏:‏

وإن كل مقعد مسؤول *** ما الرب ما الدين وما الرسول

وعند ذا يثبت المهيمن *** بثابت القول الذين آمنوا

ويوقن المرتاب عند ذلك *** بأنما مورده المهالك